عن مبادرة حلق بحلمك dream big : عصمت الموسوي
كم من طالب متفوق أخفق في مواصلة دراسته العليا او خسر الوظيفة المتاحة نتيجة تدني مستواه في اللغة الانجليزية ؟ كم وقفت اللغة الإنجليزية - المطلوبة في شتى الدراسات والأعمال والتطور المهني والعلمي والتكنولوجي - دون بلوغ الطالب او الموظف مبتغاه ؟ من هذا النقص الكبير الذي يعانيه طلاب وطالبات المدارس الحكومية على وجه الخصوص في اللغة الانجليزية تحديدا ، انبثقت مبادرة " حلق بحلمك او dream big " بهدف خدمة شريحة من أبناء المجتمع البحريني وبناته في تخطي هذه العقبة والانطلاق إلى فضاءات أرحب وأوسع تعليميا ومهنيا ، جدير بالذكر ان مناهج وزارة التربية في اللغة ممتازة لكن ثمة استهانة من قبل التلاميذ بالاهتمام بها .
كانت ولادة مشروع حلق بحلمك في عام 2014 على يد الاستاذة والمصرفية السابقة حنان عبد المحسن حماد ، بداية متواضعة وبسيطة في غرفة صغيرة بحي النعيم ،كانت حنان وصويحباتها يعملن في هذه الفترة وبشكل تطوعي ومجاني على تقديم دروس تقوية لأبناء وبنات الحي في مختلف مواد المنهج الدراسي ،وجدت حنان ان ضعف اللغة الانجليزية يكاد يكون العامل المشترك بين اغلب هؤلاء الطلاب ،أخذت حنان على عاتقها تأسيس نواة من مجموعة من البنات والأولاد المتحمسين للفكرة والمبادرين بتقديم برامج التقوية وتعزيز الوعي باهمية اللغة بقدر ما يسعفهم وقتهم وظروفهم ، وشيئا فشيئا بدأ وعي جديد يتشكل بأهمية توسيع وتعظيم هذه المبادرة حين بدأت تظهر نتائجها الملموسة من خلال تحسن مهارات مستويات الطلاب وارتفاع اداءهم المدرسي ودرجاتهم التحصيلية عاما بعد عام ليس في اللغة وحدها وانما في جميع مواد المقرر ، هنا بدأ الأهالي من الامهات والاباء والاخوة الكبار في هذه العائلة او تلك يعرضون خدماتهم التطوعية للتدريس والانضمام إلى المبادرة او اخذ ابناءهم واقربائهم اليها ، قادت حنان ومجموعة الشباب المنظمين اليها حملة إعلامية والكترونية للترويج للمبادرة ونشرها على اكبر نطاق من اجل استقطاب مزيد من المتحمسين والداعمين والمشجعين لها ، وهكذا تشكلت الرؤية التي ترمي إلى خلق جيل من طلبة المدارس الحكومية، متمكن من اجادة اللغة الانجليزية قراءة وكتابة وتحدثا ، كي يسهل عليه الحصول على الوظيفة المناسبة لاحقا ،وما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأ ا الأهالي يتحدثون عن المبادرة ويشيدون بها وينخرطون في اجواءها عبر تحفيز بعضهم البعض وخصوصا المثقفين منهم كالمصرفين والاطباء والمهندسين المتقاعدين وطلاب المدارس والجامعات الخاصة ومن هم على هذه الشاكلة ، كانت اكبر التحديات بالنسبة ل حنان هو اقناع الناس باهمية المبادرة ، تقول : " اشتغلت في هذه الفترة بشكل فردي ودون معين او ظهير ، لكن مع تشكل الرؤية والاهداف وفريق العمل وتحديد الشركاء والجمعيات والافراد المتعاونين الذين تعمل المبادرة تحت مظلتهم بدأ صيت المشروع يكبر ويحلق عاليا .
اختارت المبادرة إطلاق اسم " الحالمون " انطلاقا من اسم المبادرة ،والحالمون هم الأفراد الملتزمين بالعمل بشكل دائم و ثابت و مستمر ، يليهم المتطوعون المتحركون والمتغيرين والذين هم أقل التزاما بالدوام والحضور ، فئة القادة انبثقت من الحالمين والمتطوعين معا ، وهم بالطبع شريحة الموهوبين والمؤمنين بالمبادرة والذين يعتمد عليهم البرنامج في وجوده وقوته واستمراريته .
كبر المشروع وتوسع ووجد شركاء مقتنعين بجدواه وأهميته ، هؤلاء أصبحوا لاحقا عصب المبادرة وقدموا المقار الرياضية والنوادي الشبابية والقاعات الرحبة التي احتضنت الطلاب والمتطوعين على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم ، حتى أولياء الأمور وكبار السن وأمهات وآباء وجدوا لهم مكانا في هذه المبادرة المرنة ، اما للتدريس تطوعا او لتلقي الدراسة مع أبنائهم وبالقرب من مناطقهم ، في نادي سار الرياضي ونادي المالكية الرياضي ، ونادي مدينة عيسى ومركز شباب المحرق النموذجي ومركز تمكين شباب النعيم ، وفي المخطط ثمة رغبة في استقطاب نادي سترة الرياضي والرفاع لخدمة جو وعسكر كشركاء جدد .
أفرزت المبادرة قادة ومساعدين ولجان تنفيذية واداريين ووظائف تراتبية كل حسب تخصصه وتأهيله ، والعمل يجري على الأرض حينا ومن خلال الفضاء الإلكتروني حينا آخر ، إذ تمتلك المبادرة موقعا رسميا وانستجرام وفيس بوك و تيك توك ولينكد يحظى بآلاف المتابعين ويزداد حضورا وانتشارا يوما بعد يوم
في اعوام الكورونا كاد البرنامج ان يتوقف بسبب منع التجمع البشري ،لكن وتحقيقا للاستدامة التي هي شعار المبادرة ، قام فريق شبابي متحمس بمواصلة التجربة عبر إنشاء صفوف افتراضية الكترونية فكان ان استقطب البرنامج في تلك الفترة مزيد من المتطوعين من داخل وخارج البحرين ايضا ، لدرجة ان البرنامج الافتراضي كان يضم احيانا 500 بين مشارك ومتابع ..
ولعل أكبر التحديات التي واجهت المشروع هي مع أولئك التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم ، وإنكار الأهالي وعدم تقبلهم لهذه الحقيقة ، فكان ان استعانت المبادرة بمدرسين متخصصين و استلزم الأمر إقامة ورشة عمل مؤهلة متخصصة للتعرف على المهارات اللازمة لاحتضانهم وتسيير وتيسير أمورهم
،وثمة فكرة الان ولكن لا زالت في طور التبلور ، تقول حنان حماد : " نشتغل الآن على مادة الرياضيات التي يعاني من قصور وضعف فيها العديد من الطلاب أيضا والتي تعيق التحاقهم بالجامعات وكلية الهندسة تحديدا ، وقد ندشنها العام المقبل وربما نحقق فيها نجاحا مماثلا كما حدث مع اللغة الانجليزية"
برنامج حلق بحلمك ،انشأ جيل شبابي نوعي متعلم ومؤمن بقيمة التطوع وباهمية تعزيز الوعي باللغة الانجليزية وأفرز نجوما وإداريين وعائلة ممتدة ومتراصة ومتحابة يتجاوز عددها اليوم ال 700 فرد ،حيث يذهب جيل ويأتي جيل آخر لاستكمال المسيرة
في حفلات التكريم السنوية وورش العمل والبرامج المتواصلة من رحلات ومخيمات صيفية يبدع الشباب والمتطوعين في مدرسة حلق بحلمك في تقديم أفضل ما لديهم من مهارات وإمكانات ومواهب ضمن شراكة مجتمعية فاعلة وملهمة ومشجعة ومحققة لمبدأ التكافل المجتمعي.
المبادرة اثبتت شيئا مهما ،وهي ان الكثير من الناس يرغبون في العمل التطوعي انطلاقا من حسهم الانساني انما هم فقط يحتاجون إلى تحفيز ،وقد وجدوا في مبادرة حلق بحلمك ضالتهم ، وكثير ممن التقيتهم في حفلات التكريم أسروا لي ان الانضمام للمبادرة حقق لهم الرضا النفسي والسعادة واكسبهم المزيد من المعارف والصداقات، إذ صار كل من يرغب في التطوع عبر تدريس اللغة الانجليزية يتواصل مع المبادرة ويبدأ العمل بعد اجتياز الاختبار والتأهيل اللازمين ثم التعلم من أساليب وطرائق المتطوعين السابقين .
من المفارقات الجميلة انك تجد المقر الدراسي يضم عائلة بأكملها احيانا ، اما اولئك الطلاب الذي دخلوا المبادرة صغارا فقد اصبح الكثير منهم قادة وعادوا إلى نفس المراكز ويتناوبون في التدريس مع بقية المجموعات.
ان نشر الوعي بأهمية اللغة الانجليزية كلغة عالمية عبر برامج التطوع لا يرغب في منافسة المدارس او المعاهد الخاصة، انما يستقطب فئات وشرائح مجتمعية مختلفة ولا قبل لها بالدخول في هذه المراكز .
في العام 2023 فازت المبادرة بالمركز الثاني لجائزة سمو الشيخ عيسى بن علي آل خليفة للعمل التطوعي
فكرة المبادرة جديدة وجريئة وغير مسبوقة و نجاحها واستمراريتها يؤكد ان بالامكان تعميمها ونقلها إلى جميع مناطق البحرين بل وإلى أماكن أخرى من العالم بأسم مملكة البحرين .
وملخصة لهذا النجاح ، تقول حنان : " ان ذلك البرنامج الذي تأسس في غرفة صغيرة وبفكرة صغيرة ،هو اليوم أكبر مني ومن كل توقعاتي وخيالي "
أصبحت المبادرة كيانا له اسم معروف وأهداف واضحة وتاريخ عمره 11 عاما، وحان وقت وضع إطار قانوني ورسمي له ، لكي يعمل باستقلالية و فرادة وتميز
بالتعاون مع الشركاء والداعمين والمؤمنين بجداوه، لتحقيق الفائدة والاستدامة المرجوة .
تعليقات
إرسال تعليق