مؤسسة تجارية ناجحة لكنها لا تربح
مؤسسة تجارية ناجحة لكنها لا تربح: عصمت
الموسوي
اود بداية ان اشيد بدور مملكة البحرين في
مكافحة جرائم الفساد وفي انشاء موقع الكتروني وهاتف ساخن للتبليغ عن حالات الفساد
وفي سن القوانين والاتفاقيات وتمكين القضاء والاعلام والمواطنين في التصدي لكافة
أنواع الفساد وذلك تنفيذا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها
مملكة البحرين قبل سنوات
انني اكتب هذه المقالات دعما لهذا التوجه
الحضاري الجدير بالإشادة ولكشف وجوه الفساد وانصاف ضحاياه وتبيان مدى ضرره على
الاقتصاد والتنمية وتوجهات الاستثمار وغيره ، احدى قصص الفساد التي اطلعت على
تقريرها المحاسبي الذي اعده خبير منتدب من المحكمة تمثل نموذجا لحالات فساد كثيرة
مشابهة ،وهي ان يقوم مجموعة من المواطنين بتبني مشروع اعتمادا على نتائج دراسة جدوى تخلص
الى نجاح الاستثمار في مجال ما بناء على مواهب المتقدمين للمشروع وخبرتهم وتاريخهم
المهني وحاجة البلد في تلك الفترة الزمنية الى مشروع كهذا فتشتغل ماكنة الترويج له
وتهيئة المناخ المناسب لإقناع المسؤولين بالفكرة ،يؤسسون الشركة ويطلبون دعما من الدولة على هيئة
قرض او ارض او استئجار مقر تابع للدولة بالمجان او بسعر رمزي كمساهمة من الدولة لتمكين
هذه المجموعة الناشئة ( التي لا تمتلك المال ) تحديدا و القطاع الخاص اجمالا ، الى
ان يشتد عود المؤسسة وتكبر وتنجح وتعيد على الدولة ما اخذته ضمانا لاستقلاليتها
ولضمان تطورها بشكل تجاري سليم وهي غير مرتهنة او مديونة الى أي جهة ، ويتواصل عمل
المؤسسة وينال جميع الشركاء حقوقهم المستحقة ، ويتحقق هدف الدولة في تمكين القطاع
الخاص ، ويصبح نموذجا يحتذى لتجارب مماثلة .
أحد أكبر اشكال الفساد المألوفة في بلداننا ان
يقفز لاعب واحد ويصمم الملعب وفق مصلحته الخاصة كي يحرز وحده الأهداف فيستولي على
كل المشروع ويستفرد بالقرارات المصيرية فيه ويرمي شركاءه خارجه.
وكما هو معروف فإن أي مشروع تجاري ناجح هو
المشروع الذي يحقق الربحية ويرضي الشركاء والذي يتوفر على مجلس إدارة قادر على
تعظيم مكاسب الشركة والبحث عما ينميها ويطورها ،واي مشروع تجاري لا يربح فهو فاشل
بامتياز، انها بديهية لا تقبل جدلا ولا نقاشا ، ونجاح المشروع يكمن في البيانات
المالية السليمة والتفصيلية والمدققة من جهة نزيهة ومتغيرة كل 5 سنوات ،وفي توفير
المعلومات الصحيحة للشركاء وفي نسبة الأرباح المتحققة والمتصاعدة سنويا والتي تعلن
عنها البنوك والشركات كنوع من الشفافية والدعاية ولإذكاء المنافسة او للحصول على
المركز الأول في هذا المجال او ذاك ،وهكذا تجري الانتخابات ويعاد التجديد لمجلس
الإدارة مكافأة له على شطارته وتمكنه من جني الأرباح ،ولشركة التدقيق على امانتها
المحاسبية ذات المعايير والرقابة الدولية
لكن كيف لمؤسسة تجارية ناجحة كما يروج لها
ولكنها لا تربح، فهل هي تربح ولكن تخفي أرباحها؟ واين تذهب أرباحها اذن ؟ وكيف
تروج لنفسها وهي بهذا الحال المتردي البائس؟ وكيف تكون الأولى في حقل تخصصها او مجالها
بينما هي تتباكى على الخسائر سنويا امام الجمعية العمومية؟ وكيف يستمر مجلس
الإدارة دورة اثر دورة وهو دون ادنى انجاز ؟ قبل ان نجيب على هذا السؤال تعالوا
نستكشف التكتيك المتبع في مثل هذا النوع من الفساد ...
تتوسل المؤسسة خطابين، الخطاب الأول: خطاب خاص
وللداخل يتحدث عن خسائرها وتراجع أرباحها ومصادر مواردها المالية ومديونيتها العالية
بسبب بند الاهلاك وشراء المعدات والقروض والدخول في استثمارات خاسرة ومشاريع وبورصات
وشراء عقارات وغيره، ويندب مجلس الإدارة حظه امام الجمعية العمومية على وضعه وخوفه
من الإفلاس، والايعاز بالتالي الى جميع الموظفين بذلك الخطاب كي لا يجرؤ أي مساهم
او موظف او شريك للمطالبة بحقوقه او بزيادته السنوية المستحقة.
الخطاب الثاني هو خطاب للخارج لا علاقة له
بالخطاب الداخلي الأولي الذي لا تٌعرف تفاصيله الا إذا بلغ السيل الزبى ووصلت
القضية الى أروقة المحاكم وانتدبت المحكمة خبيرا
، يرتكز الخطاب الثاني على نجاح المؤسسة
وحصولها على المركز الأول وفقا لاستطلاعات الرأي والمستفيدين من خدمتها لضمان كسب
المكانة والثقة ومزيد من العملاء والايرادات،
خطاب الداخل يدفع لليأس ما يجعل الشركاء
يبيعون أسهمهم بأبخس الاثمان اذ لا امل لا اليوم ولا غدا في تحقيق أي ربحية، وهكذا
يبيع اليائسون ويجني المستحوذون على المؤسسة المقفلة المحدودة المزيد من النسب
ويتحولون الى اغلبية شبه مطلقة تمعن في الاستئثار وفي الاستهتار بحقوق الشركاء الاخرين
الذين تحولوا الى اقلية لا حول لها ولا قوة
ان متلازمة جشع/فساد، ومتلازمة خوف / فساد،
تجعل الفاسد في المتلازمة الأولى يسلك كل طرق الاحتيال والخداع باطمئنان وبلا رادع،
بينما متلازمة خوف فساد تحول بسبب الخوف دون الشكوى والتبليغ والنشر ...
وعودة للسؤال المطروح سابقا: اين ذهبت
الأرباح الأساسية الاصلية والتي لم ترد في البيانات المالية؟
لقد بيعت المؤسسة دون علم الشركاء او بعلمهم متأخرا
(وفي تعارض كامل لمصلحة الشركة ولقانون الشركات (وتحت سمع وبصر شركة التدقيق العالمية، وانتهى المشروع
الجامع المشترك -الذي استفاد من دعم الدولة، اذ تم الانقضاض على المشروع وجرى في
السر انشاء مشروع مواز وبديل يتلقف كل ايراد المشروع الأول جاهزا عبر عقد مجحف بحق
المؤسسة والشركاء.
وفي غمضة عين طارت أحلام الشراكة، وانتهت المؤسسة
الى شركة الرجل الواحد، الذي يتحكم في مفاصلها وفي نسبة الاكسجين التي تصلها، عبر
جعلها مرهونة بنسبة بسيطة من الأرباح الخاضعة للضبط لضمان بقاءها في حالة متردية
ماليا كي لا ينتعش امل أحد من كوادرها فيطالب بحقوقه، بينما لا يزال خطاب الخارج
يلعلع عن المؤسسة الأولى والأكثر نجاحا وتنافسية ووطنية ونزاهة وشفافية ومساهمة في
الدخل الوطني والتنمية والاستدامة.
تعليقات
إرسال تعليق