اقتصاد الرفاه والتكلف في زمن كورونا: عصمت
الموسوي
في مطلع التسعينات ادرت مجلة نسائية تعنى
بالموضة والعطور والمجوهرات وكل ما له صلة بالاقتصاد الكمالي اجمالا ، وقد تلقيت
في هذه الفترة العديد من الدعوات لزيارة دور الأزياء ومصانع العطور والحقائب
والاحذية والساعات الفاخرة وحفلات مسابقات اختيار ملكات الجمال ، انا القادمة من
صحافة الخبر والرأي والتحقيق وجدت في هذا العالم فرصة للاسترخاء والهدوء والتغيير
بعد سنوات من العمل الصحفي اليومي المضني ، في هذا العالم المظهري بدا كل شيء جميلا وزاهيا وبراقا ، الانسان في هذا
العالم يحمل عنوان ومعنى ما يقتنيه وما يرتديه ،لا احد ينظر الى وجهك او يستمع الى
قولك او فكرك ،وهو عالم يروق بالطبع لممتهني هذا النمط البذخي ولعشاقه ومريديه والمنغمسين
فيه "عالم رائق" كنت أقول لنفسي او هكذا تصورت، لقد وجد اهل المال الوفير
والاستعراض المظهري والزهو والتباهي ومحبي الشهرة ضالتهم فيه ، الا ان الممعن فيه
والداخل الى عمقه لن يعدم وجود التنافس الشرس بين اطرافه وابتكار الالاعيب لخداع
المستهلك وتضليله استجابة لشغفه وتلهفه وجنونه على التميَز والتفرد المظهري ، ونحن
نقول في امثالنا رزق الله على المجانين ، وليس عشاقه مجانبين فحسب بل مستعبدين
ومستلبين بوعي او ربما دون وعي ، فهو يعيشون في فضاء من التصنع اليومي المرهق والضاغط
على الاعصاب والبعيد عن التلقائية والبساطة ، فالانغماس فيه يعني ان تصير جزءا منه وملتحما به ومواكبا
لمتغيراته ومعطياته كل يوم والا أصبحت غريبا وشاذا ودخيلا ولا حقتك العيون
المستهجنة ، وبدوت في اجوائه كتائه اظل الطريق ،اقمت مسافة بيني وبين هذا العالم
المصطنع المتكلف ليس لأنني لا امتلك القدرة المادية على مجاراته فحسب ،بل لأنني لا
انتمي له من الأساس ولا امتلك المزاج والوقت لربط نفسي بعالم السلع والبضائع واخر
صيحات الموضة والجري جري الوحوش لملاحقة عالم استهلاكي متطلب وضاغط ، على العكس من
ذلك التزمت في كتاباتي بمراقبة هذا العالم ونقد أساليب الموضة المستعبدة للإنسان ،
كما انتقدت النهج الغبي الذي سار عليه الفقراء ومتوسطي الدخول في محاكاة عالم ليس
لهم ولا قدرة لهم على مجاراته ،وصدق القائل : "الماركة صنعها الاذكياء لسرقة
أموال الأثرياء فصدقها الفقراء"
وذات مرة تلقيت دعوة لحضور حفل للفنانة العالمية
جينفر لوبيز في دولة خليجية، وفي التفاصيل أسعار غرف الفنادق والوجبات وسعر بطاقة
الحضور وفرصة للقاء الفنانة المرموقة وتلقي هدية شخصية منها ممهورة بتوقيعها، ووجدت
التكلفة الاجمالية تعادل خمسة اضعاف راتبي الشهري، هاتفتهم واعتذرت، بعد عدة أيام
تلقيت رسالة بالبريد تضم رسالة شكر من الفنانة وبداخلها الهدية الموعودة التي لم
تكن سوى محبس نحاسي بسيط مزدان بفص زجاجي، استفسرت عنه في سوق المجوهرات لاحقا فقيل
انه لا يساوي شيئا.
انني استذكر هذا العالم - الذي امضيت فيه ما
يقارب العامين - وانا اقرأ عن انحسار وانكماش الاقتصاد الكمالي تحديدا، وإلغاء
المعارض والمهرجانات ومواسم عروض الازياء والمجوهرات وتدهور مبيعاته واغلاق فروعه
والاستغناء عن موظفيه على اثر جائحة كورونا كوفيد 19 ، وتساءلت : اهي دورة
اقتصادية معتادة ام مؤشر على انقضاء مرحلة بكل انماطها وسلعها ووظائفها وقدوم أخرى
جديدة مختلفة ومغايرة ؟
تعليقات
إرسال تعليق