ذات يوم على صفحة بريد القراء : عصمت الموسوي .
في
عام 1988 وكنت وقتها احرر صفحة بريد القراء في صحيفة اخبار الخليج ، تلقيت رسالة
من قارئ اسمه يوسف من قلالي يقول فيها " طالعتنا جريدة جلف ديلي نيوز في
عددها الصادر يوم السادس من شهر مارس عام 1988 في الصفحة الثالثة بأن احدى السفرات
الاسيوية العاملة في بلدنا تمتدح تجاوب مواطنيها المقيمين في البحرين في إحصائيات
السفارة ، حيث بلغ عدد المسجلين حتى الان أكثر من 75000 وافد ، ولو ان هذا العدد يشكل نصف الموجودين في
البحرين لكنه عدد مشرف لنا حسب ما جاء على لسان السفير،اي بمعنى اخر فان عدد هذه
الجالية في البحرين يبلغون حوالي 150000 ، وتساءل الكاتب فاذا كان هؤلاء وحدهم
يشكلون هذا العدد الكبير فما عدد بقية الاجانب من الفلبينيين والتايلنديين
والباكستانيين والبنغاليين والانجليز وغيرهم .
ويضيف
الكاتب " في الواقع ان عدد الاجانب في البحرين لا يقل عن نصف مليون
نسمة ، و بحساب بسيط نقول لو ان كل اجنبي يرسل الى بلده شهريا عشرة دنانير فقط
لاصبح المبلغ خمسة ملايين دينار شهريا اي ستين مليون دينار سنويا ، ترسل الى
الخارج ، فما راي المسؤولين في الدولة في هذه الارقام الضخمة "
انتهت
الرسالة التي قمت بنشرها لانها تحمل مواصفات الرسالة ذات المصداقية والمستندة إلى
الادلة ، اذ ارفق الكاتب مقال الجريدة الاصلي ( المقابلة مع السفير ) واخترت
عنوانا صحفيا للرسالة بعنوان" 150 الف وافد (......) في البحرين
" .
في صباح يوم نشر الرسالة استدعاني رئيس التحرير الراحل
الاستاذ احمد كمال لتوبيخي على نشر هذه الرسالة التي قال انها ملفقة وذات معلومات
غير دقيقة ، ثم بعدها بيومين استدعاني وزير الاعلام الاسبق طارق المؤيد في مكتبه
طالبا مني نص الرسالة الأصلية ونص اللقاء مع السفير في صحيفة الجلف ديلي نيوز ، ثم
بعدها بعدة ايام طلب مني رئيس التحرير تسليم ادارة صفحة بريد القراء للزميل عبد
المنعم ابراهيم ،يبدو كعقاب لي على نشر
رسالة تتحدث صراحة عن نسبة تواجد احدى الجاليات الاجنبية ما اعتبره الوزير
اساءة للوطن .
اليوم
نستيقظ كل يوم على تصريح جديد ليس عن تعداد العمالة الاجنبية ومشاريعها واستثماراتها
فحسب ، ولكن
على الحقوق المستحقة لها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ، من كان يجرؤ وقتها على
التصريح بالقول " اننا العدد الأكبر والكتلة ذات الثقل
والوزن المؤثر في سوق العمل ، بل اننا نفوق عدد السكان المحليين " ؟ وهو
ما جاء على لسان مسؤول كبير باتحاد الجاليات الاجنبية في البحرين قبل فترة .
وفي
حين عوقبت انا في عام 1988 على التطرق الى نفس المعلومة، نجد صحافتنا ذات التوجه
الرسمي تبحث عن هذه الأخبار وتحتفي بهذه التصريحات وتبرزها على صدر صفحاتها الاولى
وتتبناها وتشير إلى العمالة الاجنبية بكل تقدير وإجلال باعتبارها شريكة في التنمية
دون ان تلقى " قرصة
اذن " او مكالمة هاتفية عند الفجر .
اما
النقاش المجتمعي الدائر على صفحات التواصل الاجتماعي وفي الصحافة الشعبية وضمن
الدراسات الاستراتيجية وبين مخططي السياسات حول العمالة الاجنبية في البحرين
وغيرها من دول الخليج فانه يختلف تماما عما كان عليه الوضع في الثمانينات
والتسعينات ،فاغلب دول الخليج لم تول هذه
الامور الاهتمام الكافي ولم تحسب حسابها للمستقبل الى ان استفاقت على تقارير
منظمات حقوق الانسان والمواثيق والعهود الدولية الملزمة منذ مطلع الالفية والتي
تطالبها بتلبية حقوق هذه العمالة المهنية والانسانية وازالة كل العوائق التي تحول
دون نيلها العدالة والمساواة والحقوق والحريات بل وادماجها بالكامل ضمن المظلة
الاجتماعية اسوة بالمواطنين ، بينما تتواصل بلا انقطاع الاصوات المنذرة والمحذرة
من طغيان اعداد هذه الفئات وتعاظم
الاعتماد عليها ومزاحمتها للمواطنين في شتى المجالات بل وتفضيلها على العمالة
المحلية في بعض الوظائف ما يشي بتحولها الى رقم صعب واشبه بقنبلة موقوته في
المعادلة الديموغرافية والتنموية في بلداننا راهنا ومستقبلا .
تعليقات
إرسال تعليق