عن ما تبقى من مهنة منقرضة : عصمت الموسوي
قد يطيب للبعض التفرغ في خريف العمر وكتابة
مذكراته او سيرته الذاتية المهنية املا في اسداء الفائدة اوالخبرة لدى الاجيال
الجديدة ، لكن ماذا اذا تبين لك ان المهنة التي خلفتها وراءك لم تعد موجودة او
انها انقرضت بشكلها ومفاهيمها القديمة ،ستكون المذكرات والسير القديمة مجرد
اطلالات تاريخية وتوثيقية لمهن واعمال من الماضي ، على سبيل المثال مهنة كمهنة
الصحافي الباحث عن الخبر الجديد والمختلف وغير المسبوق في مهنة تعكس واقع الحياة
في السراء والضراء اين موقعها اليوم في عالمنا الجديد ،اقول هذا الكلام ناصحة
زملائي الصحفيين من الاجيال الجديدة الخروج من صندوق الرتابة والتشابه والتماثل حد
التماهي بين صحفنا الورقية والالكترونية بعد ان صارت اخبار البشر والحجر والوزرات والهيئات
تصل من مصدر واحد فقط هو مركز الاتصال الوطني وهو الذي يقوم بتوزيع النشرات
الصحفية على جميع الصحف بالتساوي ، الامر الذي افقد الصحف قدرتها التنافسية وهويتها
وشخصيتها وتوجهها الخاص بها وحال دون معرفة الواقع على حقيقته دون رتوش اوتجميل او
اختصار او اختزال ، ولقد اردت اليوم ان اروي للقراء جزءا يسيرا من رحلة الصحافة مع
اقتناص الخبر في صحافة سابقة ،صحافة سادت ثم بادت
في حكاية خبرية واثناء ما سمي بحرب الناقلات اثناء
الحرب العراقية الايرانية عام 1984 برزت الى السطح قضية تلوث بحر وسواحل الخليج
بالانسكابات النفطية الناجمة عن ضرب السفن المحملة بالنفط ، تشكلت بقعة نفطية كبيرة
بلغت بعض سواحل الخليج ومنها البحرين، سميت في الصحافة ببقعة الزيت ،وقد تأثر
المحصول السمكي بهذه البقعة ،رغم ان البحرين ودول خليجية اخرى استخدمت اجهزة خاصة
على السواحل لامتصاص الزيت وحماية البئة البحرية من التلوث الا ان السمك تأثر بشدة
،وكانت الصحافة على اتصال بين الصيادين
والاجهزة الرسمية المختصة بعد ان تحولت القصة الى قضية رأي عام فأقيمت عدة مؤتمرات
صحفية شاركت فيها وفود من ايران والعراق في محاولة لابعاد البئية البحرين عن
الصراع الدائر جهزت وزارة الداخلية وقتها رحلة جوية على متن طائرة الهيلوكبتر خصيصا
للصحفيين ومراسلي وكالات الانباء لتصوير البقعة من الجو ، وقد لعبت الصحيفة
الوحيدة وقتها (اخبار الخليج ) دورا مهما في متابعة هذه الانسكابات النفطية
والكتابة عن اخبارها يوميا وطمأنة الرأي العام حول صحة الاسماك وكيفية معرفة وتجنب
الاسماك الملوثة من عدمه بالتعاون مع لجنة حماية البيئة ،وعكس ذلك نوع من التفاعل
الخلاق بين الصحيفة وقراءها والاجهزة الرسمية التي كانت والى حد كبير مساندة ومتعاونة مع الصحافة.
وفي 23 اغسطس من عام 2000 سقطت طائرة طيران
الخليج وقضى ركابها ال143 نحبهم ، كان الوقت مساء وفي يوم شديد الحرارة ، مع ذلك توافد
الصحفيون والاهالي لموقع السقوط وتبارت
الصحفيتين وقتها الايام واخبار الخليج لسرد الحكايات والتواصل مع اهالي الضحايا على
مدى عدة ايام ، وامتثلت الصحف لتجنب الخوض في اسباب الحادث انتظارا للنتائج ،
فصحافتنا لم تخرج يوما عن الطاعة والامتثال للاوامر الرسمية الفوقية المتعلقة
بالامن والسلامة المجتمعية، رغم ذلك حظيت الصحافة بصيد صحفي وفير وحكايات وتفاصيل عديدة
لا نجد لها اليوم مثيلا في صحافتنا التقليدية
وفي 23 اغسطس اخر من عام 2004 استيقظت
البحرين على الانقطاع الكبير للكهرباء الذي شمل اغلب مناطق البحرين فيما سمي لاحقا
بالاثنين الاسود ، الذي تسبب في خسائر مادية كبيرة وكان يوما غير مسبوق في تاريخ
بلدنا ، وقد تبارت الصحف الثلاث وقتها اخبار الخليج والايام والوسط على تغطية
الحدث وارتدادته وتداعياته وخسائره ، وتحدثت مقالات الرأي عن الاهمال والتقصير لدى
جهاز الكهرباء في ذلك الوقت والذي لم يتحسب او يستعد ليوم كهذا ، وكانت تجربة
قاسية وذات دروس بليغة
تخيلوا لو ان اخبارا مماثلة تقع مجددا في
بلدنا ( لاسمح الله ) وتأتي الاوامر الى الصحافة بالامتناع عن النشر اوالانتظار
والتريث وعدم التصريح من قبل اي وزير او مسؤول لاي جهة او منصة الكترونية الى ان يصل
خبر مركز الاتصال الوطني ، كيف سيكون الحال في ظل سيادة صحافة المواطن حيث يتجول الناس
بهواتفهم وكاميراتهم وحواسبهم ، يكتبون ويلتقطون الصور والافلام ويبثونها في الحال
على وسائل التواصل الاجتماعي ؟ امام هذه المنافسة الشديدة ماذا سيفعل الصحفي الموظف
الملتزم، وانى له ان ينتظر وكيف والى متى ؟ ان الصحافة المؤسسية جدير بها ان تمتلك
من الحرية والصلاحيات والثقة مالا يمتلكه غيرها فهي ستظل الجهة القادرة على الحصول
على التصريحات الرسمية المؤكدة وبسط الحقائق الصحيحة في اسرع وقت والتشارك مع
الناس المعنيين بالاحداث لصنع وانتاج القصة الخبرية الموثقة ومنح الناس الحق في
توجيه النقد وطرح الاسئلة والحصول على الرد ، بيد ان ذلك لا يتحقق على ارض الواقع ،
فالصحافة التي كان ديدنها الحركة والتفاعل السريع صارت هي التي تجلس بانتظار خبر واحد
يتيم يعمم على كل الصحف ، وبذلك تكون الصحافة الملتزمة بخط الدولة وتوجهات الحكومة
هي الخاسرة في هذه المعركة غير المتكافئة مع الاعلام البديل التعددي والمتنوع ،الم
اقل لكم في بداية المقال انني اتحدث عن مهنة منقرضة ،مهنة جرى احتواءها واخضاعها بالكامل
لمنظومة مركزية صارمة ،وتسبب هذا الاحتواء في تقويض الصحافة ،من كان يتصور ان
صحافتنا التي حققت قفزات نوعية في محتواها وتنوعها وتعدد اراءها واجتهاداتها على مدى
السنوات الماضية - بما فيها فترة سريان قانون امن الدولة - تبلغ هذا المستوى الهزيل
؟ ومن يعوضنا جميعا عن هذه الخسارة ؟
تعليقات
إرسال تعليق