محمد شكري عن قرب : عصمت الموسوي
لم تفاجئني شخصية الاديب المغربي محمد شكري
حين التقيته في صيف عام 2002 ، فلقد وجدته شديد الشبه بابطال رواياته الشهيرة ، بدا
لي رغم شيخوخته كصعلوك متسكع يجول المدينة بحثا عن صيد جديد يتلهى به ويبدد وحشة ايامه
، كنا نستقل حافلة صغيرة لنقلنا من طنجة الى اصيلة حيث يقام المهرجان الثقافي
السنوي في دورته الرابعة والعشرين ، صافحته وطلبت منه الاتفاق على اجراء مقابلة
صحفيه معه ،قال : امهليني فأنا احتاج الى مزاج خاص جدا للتحدث الى الصحافة ، وكنت اختار
مقعدي يوميا على مقربة منه على مائدة الافطار لتبادل الحديث وارى الصحافيين يتحلقون
حوله بينما يمارس عليهم فعل التدلل والتمنع والتعالي والانشغال بحجة المرض وتعكر
المزاج وانتظار الوقت الملائم للكلام، كان يلتهم الزبدة والعسل بيديه ربما انتقاما
من الخبز الحافي رغم انه كان وقتها في عز مرضه ، اذ توفي بعد هذا اللقاء ب9 اشهر عن
68 عاما ، وكنت اسمعه وهو يطلق الصرخات الفجائية متأوها من اوجاعه ، يدس يديه في
جيبه ويبتلع كمية كبيرة من الادوية ويواصل يومه ، وحين يتأخر في النزول صباحا يساور
الجميع الشك انه قد يكون مات في فراشه .
غاب شكري عن كل منتديات اصيلة وورشها الفنية وتجمعاتها
الادبية ، ولم يحضر سوى حفل الختام وليلة الاحتفاء بنهاية الموسم ، وحين وقع
الاختيار على الاديب السوداني الطيب صالح لنيل جائزة اصيلة ،لم يتورع شكري من
ابداء غضبه ورفضه بصوت عال بلغ مسامع الطيب صالح معللا ان هذه الجوائز يجب ان تذهب
الى صغار الادباء والكتاب الشبان كي تعينهم في مسيرتهم ،ماذا يفعل هذا الدرويش
العجوز بالاموال ؟
في اليوم الاخير وقبل مغادرتي المدينة منحني
شكري فرصة اجراء اللقاء معه ، اختار مطعما من مطاعم الاسماك الكثيرة المنتشرة في
اصيلة ، قال كلاما كثيرا وجريئا عن زملاءه ومجايليه من الادباء ، نشرت اجزاء منه
في صحيفة الايام بعد وفاته: وسألني : ماذا تريدين ان تسمعي مني ، بلدكم البحرين لا
اعرف عنها شيئا سوى الشاعر قاسم حداد اما الادب النسائي العربي فلا اعترف فيه الا
بفاطمة المرنيسي ونوال السعداوي وغادة السمان ، وفي اللقاء ركز على نقطة محورية
وكيف ان الكتابة حررته من الشقاء الوجودي ومن كل الاشياء التي كرهها في حياته ،
الفقر والمال والاسرة وبعض الناشرين العرب الذين اتهمهم بسرقة اعماله وطبعها من
خلف ظهره .
"وفي حياتي عرفت العوز والفقر ،ثم اصبحت
اديبا وتدفق المال في يدي ولم اعد اعاني من عقدة نقصه وحققت عبره كل الامنيات التي
عزت علي حين كنت صغيرا ، لقد انتقمت من المال اخيرا "
" اعانتني الكتابة على التحرر والانعتاق
من اشياء وعلاقات مؤذية كرهتها في حياتي بما في ذلك اسرتي التي حاربتني وتبرأت مني
رغم انها لم تترك لي رأسمالا اعتاش منه وتركتني فقيرا متسولا "
الحب أخذت نصيبي منه وتجاوزته ، لم ارد ان اتزوج
او ان اصبح ابا كي لا اكون سيئا على شاكلة والدي "
"
لو لم اكتب لانتحرت منذ زمن طويل "
ما دمت حيا فلا اخشى الموت ، ولست نادما على اي
شيئ ، اعيش مطلق الحرية التي ينشدها اي انسان حر وطليق ، واذا مت اعود الى طنجة التي
تزوجتها زواجا كاثولوكيا لا انفصام فيه ، اذا مت اعود الى طنجتي ".
تعليقات
إرسال تعليق