عن حروبهم التي لم تبدأ بعد : عصمت الموسوي
أعادني مشهد الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران إلى ذكريات تعود لشهر مارس من عام 2003 ، عندما شن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة حربا على العراق بزعم امتلاكها اسلحة للدمار الشامل ، اتضح لاحقا كذب هذه المزاعم ولم تقدم أمريكا دليلا على وجود هذه الأسلحة بعد احتلال العراق.
قبل أسبوع من شن الحرب تواصلت معنا السفارة الأمريكية لتنظيم مؤتمر صحفي وترتيب السفر لمن يود تغطية الحرب من على إحدى حاملات الطائرات الاميركية ، سجلت اسمي واستمعت كغيري إلى الإجراءات الواجب اتخاذها قبل المغادرة ، إلا ان أهم نصيحة قيلت لنا وقتها " ان العراق يمتلك أسلحة نووية وكيميائية وقد يقصف حاملة الطائرات بمن عليها، ونحن سنقوم بحمايتكم بما استطعنا من وسائل وسوف نزودكم بأجهزة ومعدات واقية لحظة نزولكم على السفينة ، إلا ان اي خطر قد تتعرضون له سواء من طرفنا أو من طرف الجهة الاخرى المعادية التي هي العراق، او حتى في حالة حدوث خطأ شخصي من قبلكم ، فأنكم تتحملون مسؤولية نتائجه بالكامل ن وحدكم وبالتالي لن يكون هناك أي تعويض لكم بأي شكل من الأشكال ، ووافقنا ،وقبل الخروج من القاعة طلب منا الاقرار والتوقيع على تلك المذكرة .
في صباح يوم المغادرة التقينا بعدد كبير من الصحفيين الأجانب المتوزعين في فنادق البحرين المختلفة و العازمين على الذهاب إلى حاملات طائرات عديدة وبعضهم سيتوجه إلى العراق برا بسبب اغلاق الاجواء الجوية ، أقلتنا طائرة هليكوبتر صغيرة جدا مخصصة لنقل الجنود، استغرقت الرحلة فترة زمنية قصيرة وهبطنا على متن حاملة الطائرات هاريرز التي تمركزت في الخليج العربي وخصصت لقصف جنوب العراق، البصرة ،الزبير ، أم قصر ،الناصرية ،القرنة والفاو .
بعد الوصول ، تلقينا تدريبا أوليا على طريقة التنقل على الحاملة وكيفية استخدام مرافقها المسموح بها وكذلك كيفية فتح وغلق أبوابها الضخمة الثقيلة ،التدريب الثاني تركز حول كيفية استخدام الأقنعة الواقية لحمايتنا من الغازات والمواد السامة التي زعموا ان صدام حسين قد يطلقها ،التدريب الثالث هو استخدام البحر في حالة حدوث اي هجوم على السفينة ، والواقع انه بعد كل هذا التدريب المتنوع وكل الاجهزة التي حملناها إلى غرفنا فأننا دخلنا السفينة وغادرناها ولم نلجأ إلى أي وسيلة وقائية ،وكل ما شاهدناه وسمعناه هو انطلاق الطائرات الحربية من مدرج السفينة الذي يقع فوق الغرف مباشرة وعودتها امنة سالمة ،وكنا نستيقظ فجرا على وقع هذه الاصوات او قبلها احيانا لنشاهد من بعيد ومن آخر الصفوف غرفة القيادة والأوامر التي يتلقاها الطيارون قبيل الإقلاع ، في يومين تقريبا أنجزت المهمة الموكلة لهذه الحاملة بالكامل ، إذ كنت ارى الطائرات العائدة إلى السفينة محملة ببعض الصواريخ ، اي انها لم تلق كل حمولتها، حين سألت احد الطيارين قال لي ، لم تعد هناك اهداف ، بل اننا كنا نقصف الهدف الواحد عدة مرات .
قبل العودة ألقيت نظرة على مخزون الصواريخ المتبقي فوجدته لا يزال كبير جدا ، سالت كابتن السفينة فقال لي : ان الصواريخ والقذائف التي لدينا تكفي لإبادة قارة وليس بلدا صغيرا كالعراق ،
الحياة على الحاملة مملة جدا وليس لدينا هواتف ولا تلفزيون ولا يسمح لنا باستخدام الإنترنت إلا لوقت محدود جدا عبر كلمة مرور خاصة تعطى لنا في السفينة من أجل نقل تغطيتنا الصحفية فقط ،غرفتنا صغيرة جدا وخانقة، بلا نافذة ولا دورة مياه خاصة بها والأسرة مصممة بشكل علوي لتفادي شدة ضيق الغرفة ، وقد تقاسمتها مع صحفيتين إحداهما كندية والأخرى استرالية
،الطيارون يستيقظون صباحا و تنتظرهم على أبواب غرفهم بدلهم العسكرية المرتبة والمكوية الملفوفة بعناية والقادمة من مغاسل البخار ، يمضون إلى طائراتهم وهم حليقي الذقن وفي كامل هندامهم كأنهم ذاهبون إلى حفلة ، يتناولون الإفطار مع الصحفيين وباقي قيادات السفينة ،تتوزع المهام في السفينة بين مجموعات عديدة ومتنوعة ،ويجري العمل فيها وفق نظام شديد الدقة والترتيب، صحيح ان السفينة تجري في بحرنا وعلى مياهنا لكنها مسرح عمليات امريكي بالكامل ،سألت مسؤول الرادار عمن يزود الحاملة بحالة الطقس اليومي فقال لي ضاحكا : نحن الذين نزودكم بمؤشرات حالة الطقس .
اجريت مقابلات مع اغلب قيادات الحاملة والجنود وغيرهم ، هنا يصعب إيجاد مادة صحفية شيقة تستحق الكتابة لكنني اجتهدت لاصف الحياة على الحاملة التي لم نكن نرى إلا جزءا يسيرا من سير عملها ، اما سير العمليات العسكرية واختيار الأهداف فبدا لي انه قد تم منذ زمن بعيد ، وكل شي : كووووول .
في جناح تم تخصيصه للهدايا souvenirs وجدت عدة مجسمات وشعارات للسفينة وقد تضمنت عبارة " معركتي لم تبدأ بعد" . تساءلت وقتها : ترى كم سيكون نصيب هذه المنطقة من العالم من المعارك القادمة ؟
في مطار البحرين سألني الموظف من أين أنت قادمة ؟ قلت له من احدى حاملة الطائرات الأمريكية ، قال: يعني كنت مسافرة ، قلت له نعم ، تقريبا ، وماذا ترى ؟ قال لا يوجد ختم خروج في جوازك او الجهة القادمة منها ، واجبته : ربما من حسن حظي .
بعد أسبوع من انتهاء العمليات العسكرية الجوية سوف ادخل البصرة برا عن طريق الكويت لتغطية مجريات دخول قوات مشاة البحرية الأمريكية المارينز إلى العراق يوم 21 مارس عام 2003 ، هناك كانت القصص الخبرية والمشاهد
والصور والفظائع ، هناك كانت الحرب الحقيقية ، لكن تلك قصة اخرى قد يحين وقت سردها ذات يوم
تعليقات
إرسال تعليق