الصديقان عباس وعلي : عصمت الموسوي . 

في العام 1972 وعلى مقاعد الثانوية العامة التقى الطالبان عباس الموسوي وعلي كاظم بالصدفة ، أطلق علي نكتة فانفجر الطلاب ضحكا ، التفت عباس إلى الخلف ليتعرف على صاحب النكتة الجميلة ، وفي اول فسحة،  تعرف كل منهما على الاخر وارتاح لشخصيته ، لاحقا حرك عباس طاولته من اخر الفصل ولصقها بطاولة صديقه الجديد في المقدمة ، لكن الطاولة التي بدـت كتوأم سدت الممر بل وحالت دون مرور الطلاب والمدرسين من خلاله ، اعترض  مدرس الفصل وامره بابعادها ، تم استدعاء المدير ، لكن عباس اصر وعاند ، فٌصل ثلاثة ايام عقابا على تصرفه ،وحين عاد إلى الفصل اعاد طاولته إلى سابق وضعها ، استسلم المدرسون لهذا العناد الذي لم يفهموه ولم يجدوا مبررا له ، ومن من ؟ من طالب هادئ وميال للصمت وذو سجل مدرسي خال من المخالفات ، يتذكر طلاب هذا الفصل إلى اليوم تلك الطاولة التوأم المعيقة للممر والخارجة عن موضعها والتي اعطت للفصل شخصية خاصة وشهرة مميزة ، ومنذ ذلك العام بدأت مسيرة الصداقة بين الاثنين، عباس ابن النعيم وكابتن فريق الخلود الرياضي ، المفعم بالنشاط والهوايات  والمنغمس في مصادقة البحر والصيد والرسم والتصوير ، وعلي ابن قرية بوقوة عضو فريق الكشافة ذو المهارات  القيادية المبكرة والذي توكل اليه مهمة الاشراف والرقابة على الفصل في غياب المدرس، والموظف بعد الدوام المدرسي في بقالة عمه ،  الوقت المشترك هو ما سعى اليه الصديقان المحدثان لاشباع رغبتهما في التلاقي وفي اكتشاف ما يمكن ان يحققانه معا خارج التزاماتهما المدرسية ، وتحويل تلك الصدفة العابرة إلى قرارغير خاضع للصدفة بل خاضع للارادة والاصرار والتصميم واجتياز كل التحديات والمعوقات لتمكين هذه الصداقة الطرية وانضاجها والعمل على استدامتها ، مع نهاية العام المدرسي تبين رسوب اغلب طلاب الفصل لكن علي وعباس ، في البداية التحق الثنائي في معهد المعلمين ثم اتجها إلى دراسة الفنون الجميلة في جامعة حلوان بالزمالك ،في عز تدفق البعثات والمنح الدراسية ، حصل عباس على بعثة  بترشيح من الراحل الفنان احمد باقر خريج السوربون الذي سعى لدى صديقه راشد صلبيخ رئيس قسم البعثات لتضمين الفنون الجميلة ضمن البعثات الكثيرة والمتنوعة في تلك المرحلة ، عاكستهما الظروف مجددا إذ حصل علي على بعثة لدراسة المسرح ، لكنهما وبنضال شاق وتوسط من هنا وهناك حولاها لاحقا إلى كلية الفنون الجميلة .

من شقة القاهرة في حي المهندسين انطلق النجمان إلى مرحلة الاستقلال والاعتماد على النفس وبناء الذات والتجلي الاجتماعي والابداع الفني ، كلاهما كان مغرما بالرسم والتصوير والموسيقى وارتياد المتاحف والسينما والمسرح وقد وجدا في القاهرة ضالتهما ، تحولت الشقة إلى مضيف دائم للطلاب والضيوف والسياح من الاهل والاصدقاء والمعارف ، هنا مر الفنانون البحرينيون  الراحل عبدالاله عرب ، يوسف الكوهجي ، اسحاق الكوهجي ، وحيد الخان ، احمد باقر ،  شفيق خلف،  ابراهيم البوري ،  محمد ميرزا ، فريد بوقيس ، سعيد رضي ،  جمال السيد ،  خاتون الانصاري واخرون ابدعوا رسما ونحتا وموسيقى تردد صداها في شارع النخيل بحي المهندسين ،  منحتهما دراسة الفنون متسعا من الوقت لم يكن متاحا لاقرانهم من طلاب الطب والهندسة والدراسات الاخرى فتفرغا لممارسة شتى الهوايات والتنقل بين ربوع مصر وسبر اغوارها واكتشاف قراها ومدنها البعيدة ،وثقا كل ذلك بالتصوير الفوتوغرافي وبافلام  بالفيديو التي رفعها الفنان الموسوي على منصته الالكترونية ،ينقل عن بعض طلبة القاهرة قولهم " ان عباس وعلي كانا اسعد طالبين بحرينين في مصر" وفي كل عام كانت الشقة تحمل اسمها جديدا، شقة الفرح والمرح والصخب وصحبة الاصدقاء والفن والموسيقى وحفلات رأس السنة ومشاريع هندسة الديكور ، كانت الشقة تتجدد سنوسا بالاثاث واللوحات الفنية ووالوجوه والشخصيات الجديدة ، اعتنى علي بالمطبخ ، قام بتدريب جميع العاملات اللاتي مررن على هذه الشقة على طهي الطبخ البحريني التقليدي وذلك  لملاقاة الاصدقاء الدائمون والضيوف الذين يتوافدون على الشقة باستمرار من مصر ومن خارجها  ، هنا لا وقت للملل والرتابة والضجر ،هنا ربما في هذا الزمان وهذا المكان او قبلها ايقن الصديقان ان كل منهما قد وجد ضالته ومبتغاه ،كلاهما ادرك بحسه الفطري الغريزي ان الاخر ليس مجرد صديق بل كنزا متجددا جديرا بالحفظ والصون والرعاية ، هذا الاحساس الدفين بأن المرء يرافق كنزا هو الذي اطال في عمر صداقتها ومنحها الاستدامة في وقت يشهد فيه العالم  قصر وانقضاء العلاقات والشراكات على اختلافها " عصر السيولة " كما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان حيث كل شيئ غير ثابت وسريع الزوال والتحول ، لكن السيولة لم تطل علاقة عباس وعلي الملهمة والمنتجة ، فكلاهما متغير ومتجدد وكلاهما يجد في الاخر اضافة نوعية ونصيرا وداعما ،وكل تغيير يعتريهما يلقى استجابة وترحيبا من الاخر ، لم يكن الرفيقان متشابهين ومتطابقين كما قد يعقد البعض فلكل منهما شخصيته المستقلة  ،واحيانا كانا على جانب كبير من عدم التوافق ،لكن عن قرب إذا جلسا وتحدثا تجدهما في غاية التطابق والتوافق و يعزفان نغمة واحدة ، ولعل ابرز ما يميزهما هو تلك الشخصية القيادية والجريئة والمبدعة والمرنة والمرحة والمواكبة للزمن والتي على استعداد دائم وفي كل لحظة لخوض غمار الصعاب واختبار كل ما هو جديد وتخطي الحدود والذهاب أبعد من المألوف والمعتاد واقتناص فرص الحياة المتاحة الماثلة أمامهما و المتوارية بعيدا . 

انتج علي وعباس مسرحيتين شاركا  بهما في حفل الاتحاد الوطني السنوي عام 1973 -1974 ، عباس كتب النصين المستمدين من قصص بحرينية واقعية  ، تدربا عليها طويلا في الشقة ، الممثلين والمخرجين كانوا كلهم  من الطلاب والاصدقاء الدائمين ، والمنتمين لكليات وتخصصات أكاديمية عديدة ،ابدع الصديقان علي وعباس في اضافة نكهتهما الفكاهية المميزة ، ولعل الضحك والمرح وخفة الظل التي رافقت التدريب تبدو ولغاية اليوم حين يتذكرها شهود المرحلة مثيرة وحاضرة في الاذهان وعصية على النسيان .


في العام 1977 قرر الصديقان الذهاب في رحلة تخييم إلى اوروبا بالسيارة وتجربة العيش وسط الجبال والحقول والمتنزهات والانهار مع المخيمين رفقة صديقهما المشترك عبدالاله المعلم ، شحنا سيارتهما الخاصة برا ثم بحرا وانطلقا في مغامرة غير مسبوقة في ذلك الزمان ،حيث التجوال في مدن اوروبا نهارا والنوم في الخيام ليلا ، ومن هناك بدات واحدة من اكبر مغامراتهما واكثرها مشقة ،اذ اوقفتهما شرطة حدود سوسرا بعد ان شكت في ان البهارات التي كانا يحملاتها معهما ان هي إلا نوع من المخدرات ، اقتيدا إلى التحقيق والسجن ، انتظرا يومين قبل إخلاء سبيلهما وتبرئة ساحتهما ، نشر عباس القصة في جريدة اخبار الخليج بعد عودته تحت عنوان العذاب على ابواب سويسرا 

كان الأصدقاء يتساءلون ماذا سيفعل عباس وعلي بعد انقضاء الدراسة وعودتهما ، منفردين إلى بيوتهما ، حيث لا طاولة توأم ولا شقة مشتركة ؟ ماذا سيفعل الصديقان بعد انقضاء سنوات الجنة؟ هل سيفترقان ويركن كلاهما إلى حياة الهدوء والدعة والاستسلام لدواعي العمر ورتابة الوظيفة ومتطلبات  العائلة ؟

بعد التخرج انطلق الصديقان كالصاروخ مع الفن ومن النظرية إلى التطبيق والبداية مع تأسيس جمعية البحرين للفنون التشكيلية التي كانت فضاء جامعا لكل الفنانين البحرينين وقتها قبل ان يؤسس الفنانون مراسمهم الخاصة لاحقا ، هنا قضى الصديقان  اجمل سنواتهما البكر كخريجين جديدين يملؤهما الحماس والرغبة في التجديد والإبداع وفي اقامة المعارض الفنية ، وعبر الجمعية أسس عباس بالتعاون مع الفنان الراحل حسين علي نادي التصوير الذي كان هو الاخر فاتحة خير وبركة  لابراز مواهب المصورين البحرينين الذين ابدعوا وحصدوا الجوائز في معارض ومؤتمرات الاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي التصوير فياب .fiab 

في الثمانينات تزوج الصديقان اختين، صار الصديق عديلا  للاخر ،اسسا اسرتيهما ، ابتعدت الطاولة التوأم قليلا مع ابتعاد البيتين جغرافيا ،لكن العلاقة توطدت أكثر مع القرب والانصهار العائلي ، وعلى صعيد المهنة والكسب اليومي لم يطق الصديقان الوظيفة الثابتة والعبودية المختارة ، بدت ضيقة جدا على احلامهما وطموحاتهما ،وجد الصدقان ان العمل الحر المستقل أقرب إلى شخصيتهما العصامية المبتكرة المبدعة رغم ما قد يكتنفها من مخاطر وعدم استقرار

اسسا معا مشاريع تجارية عديدة ذات ارتباط بدراستهما  كهندسة الديكور والفنون ، عباس يخطط علي يفكر تجاريا ، بعضها حقق نجاحا لافتا ومتميزا ، اخر ترنح بعد فترة وجيزة ، لم يثنهما الاخفاق عن اعادة المحاولة والتجربة في مجالات اخرى ، تمتع الصديقان بشخصية لا تهتم بالخسارة المالية كثيرا ، قد كان هاجس المغامرة والتجريب يغلب على طبعهما ، ثم ان الزمن كان يبدو واعدا ومنسجما وملائما لافكار وخيال الصديقين ، وكانت البحرين وقتها تشهد نموا وانتعاشا اقتصاديا تجلى في الثمانينات والتسعينات وهو ما كان يغري بتكرار المحاولة .

في العام 1989 يغادر علي مع اسرته إلى عمان لعدة سنوات للتجارة ، هذه اطول فترة زمنية في عمر علاقتهما تبتعد فيها الطاولة التوأم وتغادر مكانها ، ولحسن حظهما ان غربة علي لم تدم  طويلا  ،عباس كبر فنيا وانطلق مع مشروع السلام بعد الحرب على العراق عام 1993 ،وهو مشروع كبير ومكلف ماديا وبدنيا ويتطلب التنظيم والمتابعة والسفر الدائم ومساعدة الرفاق والاصدقاء ،وكان علي وقتها على موعد مع نمو وصعود تجارته الجديدة ، استعان عباس بالعديل الثالث والصديق غازي المرزوق الذي شكل قطبا ثالثا في صداقتهما المديدة  .

،وفي كل مشاريع عباس الفنية سواء داخل البحرين او خارجها كان علي هناك حاضرا قبل غيره ، يستقبل الضيوف ،إذا تأخر عباس ، فعلي موجود ينوب عنه ، ويطمئنه ان كل شي على ما يرام .

تعرف عباس على عالم التجارة والبزنس وارتياد المعارض التجارية العالمية مع  علي الذي برز نجمه وخط اسمه كرجل اعمال في مجال المجوهرات ، المقاولات لاحقا ، هذا عالم غير مألوف للفنان لكنه شكل اضافة مهمة  أغنت مسيرته الفنية ،  

في خريف عمرهما ابدعا في اقامة اجمل الحدائق المنزلية ، اغرم علي بالزراعة التي كانت تشكل جزءا من ماضيه وقريته وحياته وسط الحقول والنخيل ، ونال عباس جائزة اجمل حديقة فنية في البحرين .

هل انعكست علاقتهما الجميلة ايجابا على الاخرين ،،العائلة، الاهل ، المعارف ؟  الحق يقال ، قد كان الصديقان نعمة وبركة على الجميع ومصدر سعادة وكرم وعطاء وفرح في محيطهم العائلي الخاص والاجتماعي العام ، رفقتهما بهجة ، ومصاحبتهم في السفر متعة ، إذا حضرا ملئا المكان ضحكا وقصصا وتجارب حياتية معاشة حتى لتبدو كالافلام والروايات الشيقة لفرط ما تتضمنه من مفارقات وعجائب ،وفي تفاصيلها الصغيرة يتبين كم  خاطر الاثنان بأموالهما وبحياتهما في مواضع كثيرة،وكم خرجا من هذه المواقف الصعبة المهلكة في بعضها بأعجوبة وباصرار على خوض غمار تجارب جديدة ، كأن القدر كان يمهلهما في كل مرة كي يمنحهما مزيدا من التحقق والتفتح والتألق .

قد كان كل منهما فنانا بطبعه الاصيل والفنان كما يقول المفكر اوسكار وايلد : هو خالق الاشياء الجميلة ، في هذا العمر لا ترى أحدهما إلا وهو في ابهى اناقته وارق مزاجه وكأنه متوجه إلى سهرة .

في صيف العام الماضي احتفل علي بعيد ميلاده السبعين ، ترافق وجودهما معا مع عائلتيهما في أحد مصايف اوروبا ، لم يجد عباس ما يهديه لرفيق العمر سوى لوحة فنية تشكيلية تمثل مسيرة صداقتهما الممتدة على مدى 50 عاما .

عباس وعلي حكاية بحرينية جديرة بأن تعرف وتروى وتوثق . سيرة لم اذكر منها إلا القليل ،واعلم ان كل من ركب قطار هذين الصديقين عاد محملا بالذكريات والحكايات الجميلة والملهمة  .


تعليقات

  1. السيدة معصومة الموسوي... عرفناكي كاتبة و صحفية من الدرجة الممتازة... دائما مبدعة و جريئة في كتاباتك... نتمنى قراءة المزيد من عندك... شكرا جزيلا

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة